الذهبي

495

سير أعلام النبلاء

الرسالة كتاب " الاحياء " . قال : وهو - لعمرو الله - أشبه بإماتة علوم الدين ، ثم رجعنا إلى تمام الرسالة . قال فلما عمل كتابه " الاحياء " ، عمد فتكلم في علوم الأحوال ، ومرامز الصوفية ، وكان غير أنيس بها ، ولا خبير بمعرفتها ، فسقط على أم رأسه ، فلا في علماء المسلمين قر ، ولا في أحوال الزاهدين استقر ، ثم شحن كتابه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا أعلم كتابا على وجه بسيط الأرض أكثر كذبا على الرسول منه ، ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة ، ورموز الحلاج ، ومعاني رسائل إخوان الصفا ، وهم يرون النبوة اكتسابا ، فليس النبي عندهم أكثر من شخص فاضل ، تخلق بمحاسن الأخلاق ، وجانب سفسافها ، وساس نفسه حتى لا تغلبه شهوة ، ثم ساق الخلق بتلك الأخلاق ، وأنكروا أن يكون الله يبعث إلى الخلق رسولا ، وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق ، ولقد شرف الله الاسلام ، وأوضح حججه ، وقطع العذر بالأدلة ، وما [ مثل ] من نصر الاسلام بمذاهب الفلاسفة ، والآراء المنطقية ، إلا كمن يغسل الثوب بالبول ، ثم يسوق الكلام سوقا يرعد فيه ويبرق ، ويمني ويشوق ، حتى إذا تشوفت له النفوس ، قال : هذا من علم المعاملة ، وما وراءه من علم المكاشفة لا يجوز تسطيره في الكتب ، ويقول : هذا من سر الصدر الذي نهينا عن إفشائه . وهذا فعل الباطنية وأهل الدغل والدخل في الدين يستقل الموجود ويعلق النفوس بالمفقود ، وهو تشويش لعقائد القلوب ، وتوهين لما عليه كلمة الجماعة ، فلئن كان الرجل يعتقد ما سطره ، لم يبعد تكفيره ، وإن كان لا يعتقده ، فما أقرب تضليله . وأما ما ذكرت من إحراق الكتاب ، فلعمري إذا انتشر بين من لا